محمد أبو زهرة

2033

زهرة التفاسير

الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليوم المعرف بال التي هي للحضور ، هو يوم عرفة ؛ ذلك أن الآية كلها نزلت في يوم عرفة ، وفيها بيان المحرمات ، وقد ذكر سبحانه وتعالى عقب بيان هذه المحرمات بيانا قاطعا بين حياة جاهلية فيها أخباث ، وحياة إسلامية نظيفة نزيهة ببيان قوة الإسلام ، وعلوه في الأرض ، وإذلال الشرك ، وذهاب سطوته في أرض العرب ، ومعنى قوله تعالى : يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أنهم يئسوا من القضاء عليه ، وتغيير حقائقه ، وسيطرة الشرك على المؤمنين ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة ، وهو يعرض الحقائق الإسلامية ، ويشهد الله تعالى على تبليغها : « إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه » « 1 » ويأس الشيطان هو يأس أوليائه من المشركين من أن يتغلبوا على ذلك الدين المكين الثابت ، وإذا كان المشركون قد يئسوا من السيطرة ، ووهنت قواهم ، فإنه لا تجوز مسايرتهم في أي أمر من الأمور ؛ ولذا قال سبحانه فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ والخشية : خوف يشوبه تعظيم لما يخشى منه ، والمعنى لا تجعلوا للكافرين مكانا للهيبة أو الخوف أو التعظيم ، فقد ضعفوا واستكانوا ، وإنما الخشية كلها لله الذي نصركم وأنتم أذلة ، وأعزكم وقد كنتم مستضعفين في الأرض ، وخشية الله توجب طاعته ، والأخذ بكتابه وسنة نبيه ، وأن تباعدوا بينكم وبين ما كان في الجاهلية ، وما عليه عادات الجاهليين ، وأن تأخذوا بمبادئ الإسلام وحده ، وأنه قد كمل الدين بيانا وعزة وسلطانا ؛ ولذا قال تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً هذه الآية آخر آيات القرآن الكريم نزولا ، وقد نزلت في عرفة في حجة

--> ( 1 ) روى الترمذي : الفتن - دماؤكم وأموالكم ( 2159 ) عن عمرو بن الأحوص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع للناس : « ألا وإن الشيطان قد أيس من أن يعبد في بلادكم هذه أبدا ، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به » قال أبو عيسى : وفي الباب عن أبي بكرة وابن عباس وجابر وحذيم بن عمرو السعدي وهذا حديث حسن صحيح . ورواه ابن ماجة : المناسك - الخطبة يوم النحر ( 3055 ) عن عمرو بن الأحوص بنحوه .